مشاركة مميزة

حديث ثمانين غاية من صحيح البخاري

بَاب مَا يُحْذَرُ مِنْ الْغَدْرِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِن...

الاثنين، 14 نوفمبر 2016

حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُل

بَاب قَوْلِهِ ( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ )

4419 حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ لَهُ وَهُوَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ) قَالَ قُلْتُ أَكُذِبُوا أَمْ كُذِّبُوا قَالَتْ عَائِشَةُ كُذِّبُوا قُلْتُ فَقَدْ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ فَمَا هُوَ بِالظَّنِّ قَالَتْ أَجَلْ لَعَمْرِي لَقَدْ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ فَقُلْتُ لَهَا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا قَالَتْ مَعَاذَ اللَّهِ لَمْ تَكُنْ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا قُلْتُ فَمَا هَذِهِ الْآيَةُ قَالَتْ هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الْبَلَاءُ وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمْ النَّصْرُ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ [ص: 1732] مِنْ قَوْمِهِمْ وَظَنَّتْ الرُّسُلُ أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ جَاءَهُمْ نَصْرُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ فَقُلْتُ لَعَلَّهَا كُذِبُوا مُخَفَّفَةً قَالَتْ مَعَاذَ اللَّهِ نَحْوَهُ

رواه البخاري

فتح الباري شرح صحيح البخاري
[ ص: 218 ] قوله : باب قوله حتى إذا استيئس الرسل استيأس استفعل من اليأس ضد الرجاء ، قال أبو عبيدة في قوله : فلما استيأسوا منه استفعلوا من يئست ، ومثله في هذه الآية ، وليس مراده باستفعل إلا الوزن خاصة وإلا فالسين والتاء زائدتان ، واستيأس بمعنى يئس كاستعجب وعجب وفرق بينهما الزمخشري بأن الزيادة تقع في مثل هذا للتنبيه على المبالغة في ذلك الفعل ، واختلف فيما تعلقت به الغاية من قوله : ( حتى ) فاتفقوا على أنه محذوف ، فقيل التقدير وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فتراخى النصر عنهم ( حتى إذا ) وقيل التقدير فلم تعاقب أممهم حتى إذا ، وقيل فدعوا قومهم فكذبوهم فطال ذلك حتى إذا .

قوله : ( عن صالح ) هو ابن كيسان .

قوله : ( عن عائشة قالت له وهو يسألها عن قول الله عز وجل ) في رواية عقيل عن ابن شهاب في أحاديث الأنبياء " أخبرني عروة أنه سأل عائشة عن قوله تعالى " فذكره .

قوله : ( قلت كذبوا أم كذبوا ) أي مثقلة أو مخففة ؟ ووقع ذلك صريحا في رواية الإسماعيلي من طريق صالح بن كيسان هذه .

قوله : ( قالت عائشة كذبوا ) أي بالتثقيل في رواية الإسماعيلي مثقلة .

قوله : ( فما هو بالظن ؟ قالت أجل ) زاد الإسماعيلي " قلت فهي مخففة ، قالت معاذ الله " وهذا ظاهر في أنها أنكرت القراءة بالتخفيف بناء على أن الضمير للرسل ، وليس الضمير للرسل على ما بينته ولا لإنكار القراءة بذلك معنى بعد ثبوتها . ولعلها لم يبلغها ممن يرجع إليه في ذلك . وقد قرأها بالتخفيف أئمة الكوفة من القراء عاصم ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي ، ووافقهم من الحجازيين أبو جعفر بن القعقاع ، وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وأبي عبد الرحمن السلمي والحسن البصري ومحمد بن كعب القرظي في آخرين . وقال الكرماني : لم تنكر عائشة القراءة ، وإنما أنكرت تأويل ابن عباس . كذا قال ، وهو خلاف الظاهر ، وظاهر السياق أن عروة كان يوافق ابن عباس في ذلك قبل أن يسأل عائشة ، ثم لا يدري رجع إليها أم لا . روى ابن أبي حاتم من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري قال : جاء رجل إلى القاسم بن محمد فقال له إن محمد بن كعب القرظي يقرأ ( كذبوا ) بالتخفيف فقال : أخبره عني أني سمعت عائشة تقول ( كذبوا ) مثقلة أي كذبتهم أتباعهم . وقد تقدم في تفسير البقرة من طريق ابن أبي مليكة قال " قال ابن عباس حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا خفيفة قال ذهب بها هنالك " وفي رواية الأصيلي " بما هنالك " بميم بدل الهاء وهو تصحيف . وقد أخرجه النسائي والإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ " ذهب هاهنا - وأشار إلى السماء - وتلا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب وزاد الإسماعيلي في روايته " ثم قال ابن عباس كانوا بشرا ضعفوا وأيسوا وظنوا أنهم قد كذبوا " وهذا ظاهره أن ابن عباس كان يذهب إلى أن قوله متى نصر الله مقول الرسول ، وإليه ذهب طائفة . ثم اختلفوا فقيل الجميع مقول الجميع ، وقيل الجملة الأولى مقول الجميع والأخيرة من كلام [ ص: 219 ] الله . وقال آخرون : الجملة الأولى وهي متى نصر الله مقول الذين آمنوا معه . والجملة الأخيرة وهي ألا إن نصر الله قريب مقول الرسول ، وقدم الرسول في الذكر لشرفه وهذا أولى ، وعلى الأول فليس قول الرسول متى نصر الله شكا بل استبطاء للنصر وطلبا له ، وهو مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر اللهم أنجز لي ما وعدتني قال الخطابي : لا شك أن ابن عباس لا يجيز على الرسل أنها تكذب بالوحي ، ولا يشك في صدق المخبر ، فيحمل كلامه على أنه أراد أنهما لطول البلاء عليهم وإبطاء النصر وشدة استنجاز من وعدوه به توهموا أن الذي جاءهم من الوحي كان حسبانا من أنفسهم ، وظنوا عليها الغلط في تلقي ما ورد عليهم من ذلك ، فيكون الذي بني له الفعل أنفسهم لا الآتي بالوحي ، والمراد بالكذب الغلط لا حقيقة الكذب كما يقول القائل كذبتك نفسك . قلت : ويؤيده قراءة مجاهد وظنوا أنهم قد كذبوا بفتح أوله مع التخفيف أي غلطوا ، ويكون فاعل ( وظنوا ) الرسل ، ويحتمل أن يكون أتباعهم . ويؤيده ما رواه الطبري بأسانيد متنوعة من طريق عمران بن الحارث وسعيد بن جبير وأبي الضحى وعلي بن أبي طلحة والعوفي كلهم عن ابن عباس في هذه الآية قال : أيس الرسل من إيمان قومهم ، وظن قومهم أن الرسل كذبوا . وقال الزمخشري : إن صح هذا عن ابن عباس فقد أراد بالظن ما يخطر بالبال ويهجس في النفس من الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشرية ، وأما الظن وهو ترجيح أحد الطرفين فلا يظن بالمسلم فضلا عن الرسول . وقال أبو نصر القشيري ولا يبعد أن المراد خطر بقلب الرسل فصرفوه عن أنفسهم ، أو المعنى قربوا من الظن كما يقال بلغت المنزل إذا قربت منه . وقال الترمذي الحكيم : وجهه أن الرسل كانت تخاف بعد أن وعدهم الله النصر أن يتخلف النصر ، لا من تهمة بوعد الله بل لتهمة النفوس أن تكون قد أحدثت حدثا ينقض ذلك الشرط ، فكان الأمر إذا طال واشتد البلاء عليهم دخلهم الظن من هذه الجهة . قلت : ولا يظن بابن عباس أنه يجوز على الرسول أن نفسه تحدثه بأن الله يخلف وعده ، بل الذي يظن بابن عباس أنه أراد بقوله " كانوا بشرا " إلى آخر كلامه من آمن من أتباع الرسل لا نفس الرسل ، وقول الراوي عنه " ذهب بها هناك " أي إلى السماء معناه أن أتباع الرسل ظنوا أن ما وعدهم به الرسل على لسان الملك تخلف ، ولا مانع أن يقع ذلك في خواطر بعض الأتباع . وعجب لابن الأنباري في جزمه بأنه لا يصح . ثم الزمخشري في توقفه عن صحة ذلك عن ابن عباس ، فإنه صح عنه ، لكن لم يأت عنه التصريح بأن الرسل هم الذين ظنوا ذلك ، ولا يلزم ذلك من قراءة التخفيف ، بل الضمير في " وظنوا " عائد على المرسل إليهم ، وفي " وكذبوا " عائد على الرسل أي وظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوا ، أو الضمائر للرسل والمعنى يئس الرسل من النصر وتوهموا أن أنفسهم كذبتهم حين حدثتهم بقرب النصر ، أو كذبهم رجاؤهم . أو الضمائر كلها للمرسل إليهم أي يئس الرسل من إيمان من أرسلوا إليه ، وظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوهم في جميع ما ادعوه من النبوة والوعد بالنصر لمن أطاعهم والوعيد بالعذاب لمن لم يجبهم ، وإذا كان ذلك محتملا وجب تنزيه ابن عباس عن تجويزه ذلك على الرسل ، ويحمل إنكار عائشة على ظاهر مساقهم من إطلاق المنقول عنه . وقد روى الطبري أن سعيد بن جبير سئل عن هذه الآية فقال : يئس الرسل من قومهم أن يصدقوهم ، وظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوا . فقال الضحاك بن مزاحم لما سمعه : لو رحلت إلى اليمن في هذه الكلمة لكان قليلا . فهذا سعيد بن جبير وهو من أكابر أصحاب ابن عباس العارفين بكلامه حمل الآية على الاحتمال الأخير الذي ذكرته . وعن مسلم بن يسار أنه سأل سعيد بن جبير فقال له : آية بلغت مني كل مبلغ ، فقرأ هذه الآية بالتخفيف ، قال في هذا ألوت أن تظن الرسل ذلك ، فأجابه بنحو ذلك ، فقال : فرجت عني فرج الله عنك ، وقام إليه فاعتنقه . وجاء ذلك من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس نفسه ، فعند النسائي من طريق أخرى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في [ ص: 220 ] قوله : قد كذبوا قال : استيأس الرسل من إيمان قومهم ، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم . وإسناده حسن . فليكن هو المعتمد في تأويل ما جاء عن ابن عباس في ذلك ، وهو أعلم بمراد نفسه من غيره . ولا يرد على ذلك ما روى الطبري من طريق ابن جريج في قوله : قد كذبوا خفيفة أي أخلفوا ، ألا إنا إذا قررنا أن الضمير للمرسل إليهم لم يضر تفسير كذبوا بأخلفوا ، أي ظن المرسل إليهم أن الرسل أخلفوا ما وعدوا به ، والله أعلم . وروى الطبري من طريق تميم بن حذلم . سمعت ابن مسعود يقول في هذه الآية : استيأس الرسل من إيمان قومهم ، وظن قومهم حين أبطأ الأمر أن الرسل كذبوهم . ومن طريق عبد الله بن الحارث : استيأس الرسل من إيمان قومهم ، وظن القوم أنهم قد كذبوا فيما جاءوهم به . وقد جاء عن ابن مسعود شيء موهم كما جاء عن ابن عباس ، فروى الطبري من طريق صحيح عن مسروق عن ابن مسعود أنه قرأ حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا مخففة قال أبو عبد الله : هو الذي يكره . وليس في هذا أيضا ما يقطع به على أن ابن مسعود أراد أن الضمير للرسل ، بل يحتمل أن يكون الضمير عنده لمن آمن من أتباع الرسل ، فإن صدور ذلك ممن آمن مما يكره سماعه ، فلم يتعين أنه أراد الرسل . قال الطبري : لو جاز أن يرتاب الرسل بوعد الله ويشكوا في حقيقة خبره لكان المرسل إليهم أولى بجواز ذلك عليهم . وقد اختار الطبري قراءة التخفيف ووجهها بما تقدم ثم قال : وإنما اخترت هذا لأن الآية وقعت عقب قوله : فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم فكان في ذلك إشارة إلى أن يأس الرسل كان من إيمان قومهم الذين كذبوهم فهلكوا ، أو أن المضمر في قوله : وظنوا أنهم قد كذبوا إنما هو للذين من قبلهم من الأمم الهالكة . ويزيد ذلك وضوحا أن في بقية الآية الخبر عن الرسل ومن آمن بهم بقوله تعالى فننجي من نشاء أي الذين هلكوا هم الذين ظنوا أن الرسل قد كذبوا فكذبوهم ، والرسل ومن اتبعهم هم الذين نجوا ، انتهى كلامه ، ولا يخلو من نظر .

قوله : ( قالت أجل ) أي نعم . ووقع في رواية عقيل في أحاديث الأنبياء في هذا الموضع " فقالت يا عرية " وهو بالتصغير وأصله عريوة فاجتمع حرفا علة فأبدلت الواو ياء ثم أدغمت في الأخرى .

قوله : ( لعمري لقد استيقنوا بذلك ) فيه إشعار بحمل عروة الظن على حقيقته وهو رجحان أحد الطرفين ، ووافقته عائشة . لكن روى الطبري من طريق سعيد عن قتادة أن المراد بالظن هنا اليقين . ونقله نفطويه هنا عن أكثر أهل اللغة وقال : هو كقوله في آية أخرى وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه وأنكر ذلك الطبري وقال : إن الظن لا تستعمله العرب في موضع العلم إلا فيما كان طريقه غير المعاينة ، فأما ما كان طريقه المشاهدة فلا ، فإنها لا تقول أظنني إنسانا ولا أظنني حيا بمعنى إنسانا أو حيا .

قوله في الطريق الثانية عن الزهري : ( أخبرني عروة فقلت لعلها كذبوا مخففة قالت معاذ الله . نحوه ) هكذا أورده مختصرا ، وقد ساقه أبو نعيم في " المستخرج " بتمامه ولفظه عن عروة أنه سأل عائشة فذكر نحو حديث صالح بن كيسان .

( فائدة ) :

قوله تعالى في بقية الآية ( فننجي من نشاء ) قرأ الجمهور بنونين الثانية ساكنة والجيم خفيفة وسكون آخره مضارع أنجي ، وقرأ عاصم وابن عامر بنون واحدة وجيم مشددة وفتح آخره على أنه فعل ماض مبني للمفعول ومن قائمة مقام الفاعل ، وفيها قراءات أخرى . قال الطبري كل من قرأ بذلك فهو منفرد بقراءته والحجة في قراءة غيره ، والله أعلم .

لا إله إلا الله وحده أعز جنده ونصر عبده وغلب الأحزاب وحده فلا شيء بعده

3888 حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لا إله إلا الله وحده أعز جنده ونصر عبده وغلب الأحزاب وحده فلا شيء بعده

رواه البخاري
فتح الباري شرح صحيح البخاري
قوله : ( عن أبيه ) هو أبو سعيد المقبري .

قوله : ( وغلب الأحزاب وحده ، فلا شيء بعده ) هو من السجع المحمود ، والفرق بينه وبين المذموم ما يأتي بتكلف واستكراه ، والمحمود ما جاء بانسجام واتفاق ، ولهذا قال في مثل الأول : أسجع مثل سجع الكهان ؟ وكذا قال : كان يكره السجع في الدعاء . ووقع في كثير من الأدعية والمخاطبات ما وقع مسجوعا لكنه في غاية الانسجام المشعر بأنه وقع بغير قصد ، ومعنى قوله : " لا شيء بعده " أي جميع الأشياء بالنسبة إلى وجوده كالعدم ، أو المراد أن كل شيء يفنى وهو الباقي ، فهو بعد كل شيء فلا شيء بعده كما قال تعالى : كل شيء هالك إلا وجهه .

نصر الله المؤمنين

3209 حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال أخبرني عروة أنه سأل عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت قوله ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ) أو ( كذبوا ) قالت بل كذبهم قومهم فقلت والله لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم وما هو بالظن فقالت يا عرية لقد استيقنوا بذلك قلت فلعلها أو ( كذبوا ) قالت معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها وأما هذه الآية [ص: 1240] قالت هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم وطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر حتى إذا استيأست ممن كذبهم من قومهم وظنوا أن أتباعهم كذبوهم جاءهم نصر الله قال أبو عبد الله ( استيأسوا ) استفعلوا من يئست ( منه ) من يوسف ( لا تيأسوا من روح الله ) معناه الرجاء

رواه البخاري

فتح الباري شرح صحيح البخاري
السابع حديث عائشة في تفسير قوله تعالى : حتى إذا استيأس الرسل وسيأتي شرحه في آخر تفسير سورة يوسف .

قوله : ( استيأسوا استفعلوا من يئست ، منه من يوسف ) وقع في كثير من الروايات " افتعلوا " والصواب الأول . وفي تفسير ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق فلما استيأسوا أي لما حصل لهم اليأس من يوسف .

قوله : ( ولا تيأسوا من روح الله معناه من الرجاء ) وروى ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن بشير عن قتادة " لا تيأسوا من روح الله أي من رحمة الله " .

( تنبيه ) :

مطابقة هذا الحديث للترجمة وقوع الآية في سورة يوسف ودخوله هو في عموم قوله : وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم وكان مقامه في السجن تلك المدة الطويلة إلى أن جاءه النصر من عند الله [ ص: 484 ] تعالى بعد اليأس ، لأنه أمر الفتى الذي ظن أنه ناج أن يذكر قصته وأنه حبس ظلما ، فلم يذكرها إلا بعد سبع سنين وفي مثل هذا يحصل اليأس في العادة المطردة .

تفسير ابن كثير
( حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ( 110 ) )

يخبر تعالى أن نصره ينزل على رسله ، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، عند ضيق الحال وانتظار الفرج من الله تعالى في أحوج الأوقات إلى ذلك ، كما في قوله تعالى : ( وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) [ البقرة : 214 ] ، وفي قوله : ( كذبوا ) قراءتان ، إحداهما بالتشديد : " قد كذبوا " ، وكذلك كانت عائشة - رضي الله عنها - تقرؤها ، قال البخاري :

حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح ، عن ابن شهاب قال : [ ص: 425 ] أخبرني عروة بن الزبير ، عن عائشة قالت له وهو يسألها عن قول الله : ( حتى إذا استيئس الرسل ) قال : قلت : أكذبوا أم كذبوا ؟ فقالت عائشة : كذبوا . فقلت : فقد استيقنوا أن قومهم قد كذبوهم فما هو بالظن ؟ قالت : أجل ، لعمري لقد استيقنوا بذلك . فقلت لها : وظنوا أنهم قد كذبوا ؟ قالت معاذ الله ، لم تكن الرسل تظن ذلك بربها . قلت : فما هذه الآية ؟ قالت : هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم ، فطال عليهم البلاء ، واستأخر عنهم النصر ، ( حتى إذا استيئس الرسل ) ممن كذبهم من قومهم ، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم ، جاءهم نصر الله عند ذلك .

حدثنا أبو اليمان ، أنبأنا شعيب ، عن الزهري قال : أخبرنا عروة ، فقلت : لعلها قد كذبوا مخففة ؟ قالت : معاذ الله . انتهى ما ذكره .

وقال ابن جريج أخبرني ابن أبى مليكة : أن ابن عباس قرأها : ( وظنوا أنهم قد كذبوا ) خفيفة ، قال عبد الله هو ابن مليكة : ثم قال لي ابن عباس : كانوا بشرا وتلا ابن عباس : ( حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) [ البقرة : 214 ] ، قال ابن جريج : وقال لي ابن أبي مليكة : وأخبرني عروة عن عائشة : أنها خالفت ذلك وأبته ، وقالت : ما وعد الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - من شيء إلا قد علم أنه سيكون حتى مات ، ولكنه لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا أن من معهم من المؤمنين قد كذبوهم . قال ابن أبي مليكة في حديث عروة : كانت عائشة تقرؤها " وظنوا أنهم قد كذبوا " مثقلة ، للتكذيب .

وقال ابن أبي حاتم : أنا يونس بن عبد الأعلى قراءة ، أنا ابن وهب ، أخبرني سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد قال : جاء إنسان إلى القاسم بن محمد فقال : إن محمد بن كعب القرظي يقول هذه الآية : ( حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ) فقال القاسم : أخبره عني أني سمعت عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - تقول : ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ) تقول : كذبتهم أتباعهم . إسناد صحيح أيضا .

والقراءة الثانية بالتخفيف ، واختلفوا في تفسيرها ، فقال ابن عباس ما تقدم ، وعن ابن مسعود ، فيما رواه سفيان الثوري ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عبد الله أنه قرأ : ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ) مخففة ، قال عبد الله : هو الذي تكره .

وهذا عن ابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهما - مخالف لما رواه آخرون عنهما . أما ابن عباس فروى الأعمش ، عن مسلم ، عن ابن عباس في قوله : ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ) قال : لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم ، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم ، [ ص: 426 ] جاءهم النصر على ذلك ، ( فنجي من نشاء )

وكذا روي عن سعيد بن جبير ، وعمران بن الحارث السلمي ، وعبد الرحمن بن معاوية وعلي بن أبي طلحة ، والعوفي عن ابن عباس بمثله .

وقال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا عارم أبو النعمان ، حدثنا حماد بن زيد ، حدثنا شعيب حدثنا إبراهيم بن أبي حرة الجزري قال : سأل فتى من قريش سعيد بن جبير فقال له : يا أبا عبد الله ، كيف هذا الحرف ، فإني إذا أتيت عليه تمنيت أني لا أقرأ هذه السورة : ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ) قال : نعم ، حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم ، وظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوا . فقال الضحاك بن مزاحم : ما رأيت كاليوم قط رجلا يدعى إلى علم فيتلكأ! لو رحلت في هذه إلى اليمن كان قليلا .

ثم روى ابن جرير أيضا من وجه آخر : أن مسلم بن يسار سأل سعيد بن جبير عن ذلك ، فأجابه بهذا الجواب ، فقام إلى سعيد فاعتنقه ، وقال : فرج الله عنك كما فرجت عني .

وهكذا روي من غير وجه عن سعيد بن جبير أنه فسرها كذلك ، وكذا فسرها مجاهد بن جبر ، وغير واحد من السلف ، حتى إن مجاهدا قرأها : " وظنوا أنهم قد كذبوا " ، بفتح الذال . رواه ابن جرير ، إلا أن بعض من فسرها كذلك يعيد الضمير في قوله : ( وظنوا أنهم قد كذبوا ) إلى أتباع الرسل من المؤمنين ، ومنهم من يعيده إلى الكافرين منهم ، أي : وظن الكفار أن الرسل قد كذبوا - مخففة - فيما وعدوا به من النصر .

وأما ابن مسعود فقال ابن جرير : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، حدثنا محمد بن فضيل ، عن جحش بن زياد الضبي ، عن تميم بن حذلم قال : سمعت عبد الله بن مسعود يقول في هذه الآية : ( حتى إذا استيأس الرسل ) من إيمان قومهم أن يؤمنوا بهم وظن قومهم حين أبطأ الأمر أنهم قد كذبوا ، بالتخفيف .

فهاتان الروايتان عن كل من ابن مسعود وابن عباس ، وقد أنكرت ذلك عائشة على من فسرها بذلك ، وانتصر لها ابن جرير ، ووجه المشهور عن الجمهور ، وزيف القول الآخر بالكلية ، ورده وأباه ، ولم يقبله ولا ارتضاه ، والله أعلم .



قتال اليهود

باب قتال اليهود

2767 حدثنا إسحاق بن محمد الفروي حدثنا مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تقاتلون اليهود حتى يختبي أحدهم وراء الحجر فيقول يا عبد الله هذا يهودي ورائي فاقتله
فتح الباري شرح صحيح البخاري
قوله : ( باب قتال اليهود ) ذكر فيه حديثي ابن عمر وأبي هريرة في ذلك ، وهو إخبار بما يقع في مستقبل الزمان .

قوله : ( الفروي ) بفتح الفاء والراء منسوب إلى جده أبي فروة ، وإسحاق هذا غير إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة الضعيف وهو - أعني إسحاق بن عبد الله - عم والد هذا . وإسحاق هذا ربما روى عنه البخاري بواسطة . وهذا الحديث مما حدث به مالك خارج الموطإ ، ولم ينفرد به إسحاق المذكور بل تابعه ابن وهب ومعن بن عيسى وسعيد بن داود والوليد بن مسلم أخرجها الدارقطني في " غرائب مالك " وأخرج الإسماعيلي طريق ابن وهب فقط .

قوله : ( تقاتلون ) فيه جواز مخاطبة الشخص والمراد غيره ممن يقول ويعتقد اعتقاده ، لأنه من المعلوم أن الوقت الذي أشار إليه صلى الله عليه وسلم لم يأت بعد ، وإنما أراد بقوله " تقاتلون " مخاطبة المسلمين . ويستفاد منه أن الخطاب الشفاهي يعم المخاطبين ومن بعدهم ، وهو متفق عليه من جهة الحكم . وإنما وقع الاختلاف فيه في حكم الغائبين : هل وقع بتلك المخاطبة نفسها ، أو بطريق الإلحاق؟ وهذا الحديث يؤيد من ذهب إلى الأول . وفيه إشارة إلى بقاء دين الإسلام إلى أن ينزل عيسى عليه السلام ، فإنه الذي يقاتل الدجال ، ويستأصل اليهود الذين هم تبع الدجال على ما ورد من طريق أخرى . وسيأتي بيانها مستوفى في علامات النبوة إن شاء الله تعالى .